تقديم الجامعة
  • تاريخ التحديث الأخير: الاثنين 27 أبريل 2026
  • عدد المشاهدات: 4036

الزّيتونة، تراثٌ خالد ورسالةٌ متجدّدة

قال تعالى:
 يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ  لِتَعَارَفُوٓاْ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.  الحجرات : 49/13
 
الزيتونة: تراثٌ خالد ورسالةٌ متجدّدة
 
لقد نُقِشَت في وجدان المجتمع التونسي، على مرّ العصور، تلك القيمُ الإسلامية التي تدعو إلى التعارف والتسامح والاعتدال، وإلى قبول الآخر والتعايش معه في أمنٍ وسلام. ومن رحم هذه القيم وُلد صرحُ جامعة الزيتونة، فكان عنوان الهوية ورمز الجذور الضاربة في أعماق التاريخ، وتجسيدًا للامتداد الحضاري الوسطيّ الذي ميّز تونس بين أمم الأرض.
ولقد كانت الزيتونة، منذ نشأتها، قلبًا نابضًا بالعلم والدين والفكر، جامعةً بين الأصالة والمعاصرة، ومدافعةً عن هوية الوطن وجذوره العربية الإسلامية، محتضنةً لكلّ من قصدها من أبناء الداخل والخارج، يتفيّأون ظلّها، ويغترفون من معينها، ويُضيفون إلى رصيدها تجاربَ متنوّعة أغنت الفكر ووسّعت الأفق.
ولم تكن الزيتونة مدرسةً عارضة في الزمن، بل كانت رابعة الثلاث، سليلةَ مدرسة القيروان، الجامعةَ بين علوم المشرق ومنطق المغرب، فترسّخت فيها تقاليد علميّة صارت رأسَ مالٍ رمزيًّا للأمة، ومعلمًا بارزًا من معالم الفكر الإسلامي المتجدّد. ومن هنا غدت الزيتونة وجهةً تاريخيّةً ممتدّةً في الزمان، لا يحدّها ماضٍ ولا حاضر، لأنّها تستمدّ دوامها من رسوخها في الوعي الجمعيّ، ومن قدرتها على أن تَعْبُرَ العصور محتفظةً بروحها الأولى.
ولذلك لم يكن الإشعاع الحضاري للزيتونة طارئًا ولا ظاهرةً عابرة، بل كان قدرها الطبيعيّ وميسمها الأصيل؛ إذ نشأت على التفاعل مع العالم، واستمدّت من التاريخ علمها، ومن العلم رسالتها. فما كانت الزيتونة حدثًا في التاريخ، بل كانت تأصيلاً للكيان وتأسيسًا للمعنى، صنعه شيوخها وأساتذتها وطلبتها جيلاً بعد جيل، حتى غدت قيمةً حضاريةً تُقاس بها المؤسسات، ومعيارًا للتكوين الرصين والتعليم الرشيد.
وهكذا ظلّت المدرسة الزيتونية متميّزةً عن سائر المدارس العلمية بما أرساه مؤسسوها من تقاليد علمية متينة، وبما أظهره روّادها من سعة علمٍ وقوة شخصيةٍ، وما أولته الدولة من عنايةٍ بالعلم والتعليم، فكان اجتماعُ هذه العناصر هو الذي أكسب الزيتونة فرادتها وخلودها، وجعلها منارةً علميةً تنير العقول وتبني الإنسان.
إنّ ذلك يقابل وجود سلطة علمية مرجعية، فتكون المدرسة بذلك عنوانًا لظاهرة حضارية قائمة على الغنى الفكري، وقوة تألق الأشخاص في ميادين المنافسة المعرفية. ومن هذا التفاعل تنبثق القيمة العلمية الثابتة والجدارة الفكرية المستمرة، إضافةً إلى الصلاحية الإجرائية والتطبيقية، مما يفضي، بموجب الفعل الخبري المتعدي في التاريخ، إلى تحقق الوجهة المقصودة والفلسفة الواضحة والأهداف المعلومة والنموذج الأصيل.
وهكذا، تكون المدرسة بمنأى عن التعليم الأداتي اليومي الذي يقتصر على بوابة للتوظيف أو التثقيف العابر، لأن النموذج الأصيل هو عنوان الاستقطاب والإشعاع الحضاري وبيان الرسالة العلمية، فهو منتج للمفكرين والعلماء والمبتكرين والمتبصرين في صنوف العلم الشرعي وعلوم الوسائل.
ومما يعنيه ذلك أن الانفتاح الحضاري للمؤسسة الزيتونية، سواء باعتبارها جامعًا أو جامعة، يرتكز على الاجتهاد والتجديد، فإذا غاب الابتكار عن أعمال القائمين عليها، وانعدم البصير في أنظار مفكريها، وظل التقليد مهيمنًا على مقررات الفقهاء والمشرعين، فإنها تصبح مجرد رقم في سجل المؤسسات الجامعية، فاقدةً لهويتها المميزة، ولنوعية الإنتاج الأكاديمي الذي يميزها عن غيرها.

إنّ استقراء تاريخ إفريقيا، خصوصًا في حواضره العلمية، يقدم شهادةً حية على حضور فهمٍ راسخ لمعنى الاجتهاد وعمق إدراك مغزى التجديد، وعلى رسوخ هذين المبدأين في سياق الحركة العلمية الزاخرة التي امتدت على مدى قرون عديدة، لتشمل حقول المعرفة والفكر والثقافة جميعها.
فنشط العقل القيرواني، ثم وريثه الزيتوني، اجتهادًا وتجديدًا وإبداعًا في شتى العلوم، سواءً كانت حكميّة وفلسفية أو نقلية ووضعية: من تفسير وقراءات، وحديث وفقه وأصول، وكلام ولغة ونحو وأدب وفلسفة ومنطق، إلى طب ورياضيات وفلك، وغير ذلك.
ونحن إذ نذكر هذه الإنجازات، فإننا نستحضر الحلقة التفسيرية الواصلة بين ابن جريج والطبري، كما نشير إلى الجانب الإفريقي مع ابن سلام، ونلفت النظر إلى الأسدية والمدونة في الفقه، والسند الزيتوني في القراءات بما جرى به العمل في تونس، والضبط والرسم في المصاحف، والمقاصد، وعلم الكلام، والتصوف.
ومن هذه الركائز تشكّلت معالم المدرسة الزيتونية في الفقه، وعلم التفسير، وعلم الحديث، وعلم الكلام، والتصوف، وعلم المنطق، فنضج الفكر الزيتوني وجعله قبلة العلم في شمال وغرب إفريقيا، مؤهلاً لتحقيق بعد حضاري يرتكز على وحدة المذهب، ووحدة الرؤية، والهدف المشترك، بما يوطّن الناس على النضج الحضاري المتكامل بعيدًا عن التشرذم والفرقة والاختلاف المفضي إلى خراب العمران.
وهكذا، كان الفكر الزيتوني وفياً لغرض النضج الحضاري، وناقلًا لنموذج القيرواني–الزيتوني، مما ولّد نماذج رديفة له في القرويين، والأزهر، والأندلس.
ولقد تطلّب هذا المسار الفكري–الحضاري جهودًا مضنية، لترسيخه كمدرسة مرجعية في جميع مجالات التعليم: مضمونًا، ومنهجًا، ورؤية، وقيمًا، بحيث يصبح الزيتوني نموذجًا أكاديميًا متكاملًا، قائمًا على الجمع بين الأصالة العلمية والروح التجديدية.